الموقف الأممي والدولي من الحديدة إلى مأرب.. معايير مختلفة للإنسانية والسلام (تقرير خاص)

الموقف الأممي والدولي من الحديدة إلى مأرب.. معايير مختلفة للإنسانية والسلام (تقرير خاص) كاريكاتير يجسد الدلال والدعم الدولي للحوثيين كما يرسمه الفنان سامر الشميري
أوام اونلاين - خاص:
  • 19 فبراير ,2021 07:04 ص


عندما كانت قوات الحكومة اليمنية على وشك السيطرة على مدينة الحديدة على البحر الأحمر في ٢٠١٨، تدخلت الأمم المتحدة ومبعوثها ومن خلفهم بريطانيا التي تتولى ملف اليمن بمجلس الأمن، وألقوا بكل ثقلهم حتى نجحوا في جمع موقف دولي قوي أجبر الحكومة والتحالف الداعم لها على وقف الهجوم، بمزاعم تجنب كارثة إنسانية.


لكن جميع هذه القوى لم تبذل ربع تلك الجهود تجاه الحوثي الذي يهاجم محافظة مأرب، ولو انطلاقا من نفس مبررها في معركة الحديدة وهو البعد الإنساني كونها تضم أكثر من مليوني نازح، علاوة على كونها المصدر الرئيسي للغاز المنزلي في البلاد وتزود السوق المحلية بالنفط.


وهذه المواقف في الحالتين -من وجهة نظر مراقبين-، تعكس التواطؤ الدولي والأممي الواضح لصالح مليشيات انقلابية مدانة بقرارات دولية، وتشكل خطرا حقيقيا على الأمن والسلم في المنطقة وطرق الملاحة التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.


الموقف الأممي والدولي في الحديدة



فالحديدة كانت معركة تحريرها مسألة وقت مع تواجد قوات الحكومة على بعد كيلو مترات قليلة من مينائها الرئيسي، والتداعيات الإنسانية المحتملة للمعركة، لم تكن كبيرة إلا في مبالغات الأطراف التي قادت حملة وقفها بمبرر تبين لاحقا أنه مجرد ذريعة لمنع انتزاع المدينة وموانئها من الحوثيين حتى لا يُحرموا المنافذ البحرية ويفقدوا مليارات الريالات من إيراداتها، فضلا عما سينعكس عليهم سياسيا وعسكريا من فقدانها.


بالغت تلك الأطراف في أرقام الضحايا المحتملين في أوساط المدنيين مع أن الكثيرين كانوا قد غادروا المدينة خوفا على حياتهم، وفي تأثير الغذاء والوقود اللذان يدخلان من الميناء على حياة السكان في شمال وغرب البلاد، ناهيك عن مدة تعطيل الميناء، بهدف الحفاظ على قوة الحوثي عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وهذا يعني في المحصلة إطالة أمد الحرب كون فقدانه الحديدة يعجّل من انهياره وهذا ما لا تريده المنظمات المستفيدة من حلب الأموال باسم فقراء ومحتاجي اليمن، ومن خلفها الدول التي تستثمر في الصراع لأهداف مختلفة في اليمن والمنطقة.


وبسرعة وبشكل لم يكن متوقعا، أعلنت الأمم المتحدة توقيع الحكومة والحوثيين اتفاقا في السويد في ١٣ ديسمبر ٢٠١٨، يتضمن مما يتضمن وقف دائم لإطلاق النار وهو ما لم يحدث كليا وبانتظام، وانسحاب الحوثيين من المدينة وموانئها وهو ما لم يحدث، ونزع الألغام وهي التي زادت بسبب استمرار الحوثيين في زراعتها، وتخصيص مواردها المالية لتسليم رواتب الموظفين لكن الحوثيين نهبوها لصالحهم.


وباعتراف مراقبين محليين وخارجيين، فما حصل كان عبارة عن منع هزيمة الحوثي لحسابات مختلفة وتثبيت سيطرته على المدينة وموانئها وحرمان الحكومة المعترف بها دوليا من حقها في استعادة سلطاتها على المحافظة كما غيرها، وشرعنة حماية هذا الواقع، أي واقع بقاء الحوثيين في الحديدة باتفاق مدعوم بقرار من مجلس الأمن.


وفي هذا السياق، يتعجب المؤيدون للشرعية من تمسكها بالاتفاق الذي مات بعد ولادته ولدهسه من قبل الحوثيين وحتى بعد حدوث تطورات تمنحها حق الانسحاب منه، بدلا من المناشدات العقيمة للأطراف التي ساهمت فيه للضغط على الحوثيين لتنفيذه، في الوقت الذي هو يستغله للتحرك عسكريا في محافظات أخرى لركونه أن الحديدة باتت في قبضته، لدرجة أنه نقل معظم مسلحيه لمهاجمة مأرب، وهو مطمئن أن المجتمع الدولي لن يلومه، عدا ببعض كلمات تناشده التوقف.


الموقف الأممي والدولي في مأرب




منذ أسابيع والحوثيون يهاجمون مأرب من جميع المحاور مع استحداث جبهات قتال جديدة لاستنزاف قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، ضمن حملة عسكرية حشدوا لها أكثر من خمسة أشهر، وهي امتداد لحملة طويلة استمرت طوال العام الماضي، فشلوا فيها في تحقيق هدفهم المتمثل في السيطرة عليها.




والحملة الحالية تأتي بعد إعلان الحكومة الأمريكية اعتزامها التراجع عن تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية بعدما صنفتها الحكومة السابقة، قبل أن تنفذ إعلانها وتلغي تصنيفهم، وهو الأمر الذي رأى فيه الحوثيون ضوءا أخضر لاستئناف الهجوم على مأرب، على أمل السيطرة عليها قبل أي تحرك دولي جاد نحو السلام.


وبررت حكومة الرئيس بايدن تراجعها بالخوف من التداعيات الإنسانية التي هي في الأساس من صنع الحوثيين بشكل كبير ويكفي مثالا على ذلك، أنهم يعيقون عمل المنظمات و "يسرقون الغذاء من أفواه الجياع"، بحسب تصريح سابق لمدير برنامج الأغذية العالمي، بالإضافة لشهادات مسؤولين أممين آخرين وتحقيقات صحافية وتقرير فريق خبراء الأمم المتحدة الأخير حول اليمن، وجميعها أكدت أنهم يضاعفون الأزمة الإنسانية ويستغلونها لصالحهم إن سياسيا أو بتحديد قوائم المستفيدين وإجبار المنظمات على تخصيص مبالغ لهم تحت مسميات كثيرة.




لكن حين شن الحوثيون هجومهم على مأرب التي تضم أكبر تجمعات للنازحين في اليمن وتمثل مصدرا أساسيا للغاز والوقود، لم تحرّك ساكنا ولا بعد ذلك مع مضي أيام على الحملة وتوالي التحذيرات من عواقب ذلك على الصعيد الإنساني والسياسي لجهة تحقيق السلام، وكل الذي فعلته هو إما إدانات للهجوم أو دعوات لوقفه وكلها قابلها الحوثيون بتصعيد أعنف.



ومثلها الأمم المتحدة التي اكتفت على لسان أكثر من مسؤول فيها بما فيهم مبعوثها لليمن، بالتحذيرات (وحتى هذه أقل حِدّة من تحذيراتها أثناء معركة الحديدة) والدعوات لوقفها، دون التحرك بنفس مستوى جهودها في الحديدة.


في إحاطته التي قدمها لمجلس الأمن، مساء الخميس، اكتفى غريفيث بالقول "يحزنني ولعلّ هذه الكلمة لا تعبّر بما فيه الكفاية، أن أطلعكم أنَّ النِّزاع في اليمن اتخذ منحى تصعيدياً حاداً خلال الشهر الفائت، بالهجوم الذي شنّه الحوثيون مؤخّراً على محافظة مأرب"، ثم ذّكر متجملا من نفسه وكأنه صنع شيئا "لقد أدنت ذلك عدة مرات منذ بدء هذه العملية الهجومية في مطلع العام الماضي".


لكن ماذا بعد؟ هل سيكثف المبعوث جهوده لإيقاف الهجوم على غرار ما فعل بالحديدة؟ لا شيء من ذلك ورد بكلامه، وكل الذي تحدث به أنه يكرر ندائه "الآن قائلا إنَّ الهجوم على مأرب يجب أن يتوقف، فهو يعرّض حياة ملايين المدنيين للخطر كما أشار مارك خلال هذا الأسبوع، خاصَّة مع خطر وصول القتال إلى مخيمات النَّازحين".


وعلى ذكر النازحين، قصف الحوثيون مخيماتهم في مديرية صرواح غرب المحافظة، وتسببت بمقتل وجرح العديد منهم، علاوة على تهجير عشرات الأسر وهي التي هجرت مناطقها الأصلية منهم، وانتقلت للمخيمات التي تبلغ حاليا في مأرب أكثر من ١٤٥ مخيما، بينهم مخيم الجفينة الذي يُعتبر من أكبر المخيمات في الشرق الأوسط.


ووفقا لتقديرات الوحدة التنفيذية للنازحين في المحافظة، وباعتراف المنظمات الدولية وتقرير خبراء لجنة العقوبات الأممية بشأن اليمن، يبلغ عدد النازحين في مأرب أكثر من مليوني شخص، يعيش أغلبهم لدى المجتمعات المضيفة، في إشارة للأقارب والأصدقاء والمساكن بالإيجار.


هذا الرقم كفيل بدفع الدول المهتمة باليمن لمنع حدوث كارثة بحق هؤلاء، وعمليا هي مستمرة من خلال موجات النزوح من مناطق الاشتباكات التي أصبحت كذلك بعدما هاجمها الحوثيون، لكن هذه الدول التي أظهرت إنسانية يصفها الكثيرون بالزائفة في الحديدة، لا تفعل أي شيء لأجل الوضع الإنساني الذي تذرعت به غرب البلاد.


دور مأرب اقتصاديا وفي إرساء أسس السلام المستدام والتعايش


كما تتجاهل هذه الدول دور مأرب الإيجابي في الحفاظ على تزويد اليمنيين بمادة الغاز المنزلي بسعر لا يتجاوز حاليا ثلاثة آلاف ريال للإسطوانة الواحدة، ومع ذلك يسنخدمها الحوثيون سلاحا لكسب الولاءات والتربح ببيعها بثلاثة أضعاف سعرها الرسمي المحدد من قبل شركة صافر الحكومية.


وبالإضافة لذلك، فالمحافظة ترفد السوق بما تنتجه من النفط والديزل وهما سلعتان ضروريتان في حياة الناس، والنشاط الاقتصادي والزراعي والخدمات العامة.



وبجانب هذا كله، فمأرب تمثل أهم المحافظات بالنسبة للحكومة المعترف بها دوليا، وهي باعتراف تقرير الخبراء، تمثل انموذجا لتواجد المقرات الحكومية وانتظام العمل فيها، فضلا عن كونها تمثل نموذجا في التعايش والسلام من خلال تجربتها في استقبال واحتواء الهاربين والقادمين إليها من مختلف المحافظات، وهذا النموذج هو الأرضية الحقيقية للسلام المستدام الذي ينبغي الحفاظ عليه والبناء على ما فيه لإعادة الأمن والاستقرار والدولة لليمن.



سياسة الكيل بمكيالين


سياسة الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير لدى الدول التي ضغطت لإيقاف معركة الحديدة بذريعة الوضع الإنساني، وتتفرج اليوم على مأرب، رغم توافر نفس المبرر وهو مبرر حقيقي، يتناوله المحللون والكتاب في اليمن، وتحفل به مواقع التواصل الاجتماعي.


كان السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون، غرد قبل أسابيع داعيا لإيقاف الهجوم على مأرب، ليشارك تغريدته د. محمد جميح، سفير اليمن لدى اليونسكو، ويعلّق عليه قائلا :"سعادة السفير: أمس، في معارك الساحل ألقيتم بثقلكم لوقف المعركة، واليوم، في معارك الصحراء تكتفون بالإدانة!".




وأضاف متسائلا "هل سبب هذا الموقف المركّب أن معركة أمس كانت بالحديدة بينما هي اليوم بمأرب، أم السبب أن الحوثي كان أمس مضغوطاً، على عكس وضعه اليوم؟ هل يعود السبب لمكان المعركة أم لأطراف الصراع؟".



من جهته، يقول الباحث مصطفى الجبزي، وهو مستشار سياسي سابق لسفارة اليمن في باريس، في تغريدة له على موقع تويتر "‏يشن الحوثيون هجوما غير مسبوق من خمسين جبهة على مأرب. مأرب ليست نفط وغاز وورقة سياسية نكاية بالاصلاح. هي محافظة لأهلها الرافضين للحوثي  عاصمة فعلية بديلة لمئات آلاف وسكن مؤقت لأكثر من مليون نازح. كل هذا ولا نجد نصف الضغط الدولي الذي حصل في معركة الحديدة. فقط تصريح بالقلق".




أما الكاتب والصحفي، سامي نعمان، فغرد "المنظمات التي انتفضت ضد تصنيف الحوثية منظمة ارهابية خوفا على اليمنيين في مناطق تسرق فيها اللقمة من أفواه الجياع، هاهي مسترخية تتابع أحداث مأرب بصمت دون تحذير رغم انها تضم عشرات المخيمات بمئات الاف النازحين والحقيقة أن هناك مساحة استثمار واسعة وجدية للانسانية يوفرها ‎الارهاب الحوثي".


أبناء مأرب منحازون للدولة


وبالنسبة لأبناء مأرب فهم يعرفون كما غيرهم هذه الازدواجية ويدركون أبعاد اللعبة، ولا يعوّلون على المجتمع الدولي بما في ذلك أمريكا حتى لو أبقت الحوثيين في تصنيفها، ولا على المبعوث الأممي، وهم يعلمون جيدا أنهم معنيون بالدفاع عن محافظتهم لا بوصفها أراضيهم فقط، وإنما أيضا لأنها جزءا من الدولة التي يؤمنون بها متوارثين تاريخا حضاريا من مملكة سبأ، ناهيك عن إيمانهم بالنظام الجمهوري وتاريخهم النضالي في ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ التي انبثق عنها، وقبلها ثورة الأحرار عام ١٩٤٨ التي مهدت لها وكان من أبرز الذين اضطلعوا بأهم أدوارها الشيخ المرادي علي ناصر القردعي، وهو من المحافظة، وأسماء أخرى لا يسع المقام لذكرها، وإنما ذاك على سبيل المثال لا الحصر.


ولهذا فهم يلتفون حول الجيش الوطني وبعضهم يقاتل ضمن صفوف المقاومة الشعبية، لحماية المحافظة التي تمثل بحسب محافظها الشيخ سلطان العرادة معركة استعادة الدولة والجمهورية، وهذا النموذج، أي مأرب، وحد اليمنيون بمختلف مناطقهم وانتماءاتهم السياسية والاجتماعية.


آخر الأخبار

اقرأ ايضاً

 (خاص) مصادر دبلوماسية: مجلس الأمن سيناقش هجمات الحوثيين على المدنيين بمأرب وهذا المتوقع من الجلسة

(خاص) مصادر دبلوماسية: مجلس الأمن سيناقش هجمات الحوثيين على المدنيين بمأرب وهذا المتوقع من الجلسة

يعقد مجلس الأمن الدولي، اليوم الثلاثاء ١٥ يونيو الجاري، جلسة لبحث الأوضاع في اليمن، ويُتوقع أن يتم التركيز على هجمات الحوثيين على المدنيين بمدينة مأرب. وستشهد الجلسة آخر إحاطة لكل …

 انتقائية وانحياز المجتمع الدولي تجاه ملفات الحوثيين ونسيان "حصار تعز" تشعل غضب اليمنيين

انتقائية وانحياز المجتمع الدولي تجاه ملفات الحوثيين ونسيان "حصار تعز" تشعل غضب اليمنيين

يواجه أكثر من 4 ملايين شخص في تعز موتاً محققاً جراء حصاراً خانقاً تفرضه مليشيا الحوثي الانقلابية المدعومة إيرانياً للعام السابع على التوالي، في واحدة من أبشع جرائم الحروب ضد الإنسا…

 الانهيار الاقتصادي تحدي يهدد معركة استعادة الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي

الانهيار الاقتصادي تحدي يهدد معركة استعادة الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي

تضاعف الانهيار الاقتصادي في البلاد إلى مستويات غير مسبوقة، وأبرز المؤشرات على ذلك التراجع الكبير في سعر صرف العملة المحلية، حيث وصل سعر الدولار الأمريكي إلى تسع مائة ،وقد انعكس ذلك…